وهبة الزحيلي
76
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الشيطان ، وعلى ذلك فلا فرق بين فقير وفقير أيّا كان دينه ، ولا داعي للمنّ والأذى ، أو الرياء والسمعة ؛ لأنك تقصد بنفقتك وجه اللّه وحده ، وفعل الخير المحض ، دون انتظار ثناء ، أو جزاء الناس في الدّنيا ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم لسعد بن أبي وقاص في الحديث الصحيح : « إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه تعالى إلّا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك » أي فمها . ثم أكّد سبحانه الآية السابقة : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ بمؤكّدين : الأول - قوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يصلكم ثوابه كاملا غير منقوص في الآخرة . الثاني - قوله : وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا يضيع عليكم منه شيء ، ولا تبخسون منه شيئا ، فيكون ذلك البخس ظلما ، كقوله تعالى : فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء 21 / 47 ] . وكلّ هذا يدل على أن الإنفاق يكون للفقراء عامة ، مسلمين أو غير مسلمين ، وذلك نحو قوله تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ، لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [ الإنسان 76 / 8 - 9 ] . والأسير في دار الإسلام لا يكون عادة إلا مشركا وقوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [ الممتحنة 60 / 8 ] . ويؤيد ذلك ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال رجل : لأتصدقنّ الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته ، فوضعها في يد زانية ، فأصبح الناس يتحدّثون : تصدّق على زانية ، فقال : اللهم لك الحمد : على زانية ! لأتصدقنّ الليلة بصدقة ، فوضعها في يد غني ، فأصبحوا